عبد الشافى محمد عبد اللطيف

75

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

اثني عشر رجلا ذهب إلى مكة في الموسم التالي ، بهدف مقابلة النبي صلّى اللّه عليه وسلم لمعرفة المزيد عن الإسلام ، والتقدم خطوات إلى الأمام . وتقابل هؤلاء الرجال مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وشرح لهم وعلمهم وفقّههم وانتهى اللقاء بما عرف في التاريخ ببيعة العقبة الأولى . ولما أزمعوا العودة إلى بلدهم ، أرسل النبي صلّى اللّه عليه وسلم معهم مصعب بن عمير رضى اللّه عنه كأول مبعوث له ؛ ليعلمهم الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين « 1 » . * صدى رحلة مصعب بن عمير : منذ أن عاد رجال الخزرج الذين التقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأول مرة إلى بلدهم ، ونقلوا إلى هناك ما سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بدأ الموقف في يثرب يتبدل تبدلا كاملا وانتهت مرحلة الانتظار والترقب واعتبار الأمر يخص قريشا وحدها ، وبدأت مرحلة جديدة ، هي مرحلة الاتصالات المباشرة بصاحب الدعوة ( عليه الصلاة والسلام ) ، والتفاهم معه ، ومعرفة المزيد من أخبار الدعوة . ولم يكونوا يجهلون أن مجرد الاتصال بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم في مكة ، سوف يضعهم في مواجهة مع قريش . وخلاصة القول بدأ عرب يثرب يتهيؤون ، أو قل هيأهم اللّه للدخول في الإسلام ولنصرة نبيه ، فما أن وصل مصعب بن عمير مع رجال بيعة العقبة الأولى إلى المدينة ، حتى اتخذ من منزل أسعد بن زرارة رضى اللّه عنه مقرّا له ، وأخذ يشرح للناس ما هو الإسلام ويقرئهم القرآن ويفقههم في الدين ، وأخذ أناس يقبلون عليه إقبالا عظيما . وأخذت دائرة الذين آمنوا باللّه ورسوله تتسع ، وكان للباقة هذا الداعية العظيم ، وسعة أفقه وعلمه وإخلاصه لما يدعو إليه ، كان لهذا كله أكبر الأثر في نجاحه الكبير في اجتذاب أهل يثرب إلى الإسلام ، وجعله حديث كل لسان ، حتى أنه في لحظات استطاع إقناع أكبر زعيمين من زعماء الأوس ، وهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير رضى اللّه عنه ، فتحولا من معارضين للدعوة إلى أنصار متحمسين لها ، وكان لإسلامهما أكبر الأثر في إسلام الأوس بأسرها لمكانتهما منها . وهكذا نجح مصعب بن عمير في إدخال الإسلام إلى دور الأنصار ؛ « فلم يبق دار من دور المدينة إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات » على حد تعبير ابن إسحاق « 2 » .

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ( 2 / 39 - 42 ) . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ( 2 / 46 ) .